مصطفى لبيب عبد الغني
65
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
بقدم العالم من العلوم الأوائل بل من العسرة البعيدة الاستنباط ، ونعلم ذلك من اختلاف وتقادم المختلفين في ذلك وبقاء خلافهم على طول الزمان » « 1 » . ويقول أيضا في موضع آخر : « وإني لأعجب من قوله ( ويقصد جالينوس ) إنه من البيّن عند جميع الناس . كأنما جاء به من العلوم الأوائل اليقينية عند جميع الناس لا من الأشياء العسرة الشاقة الاستنباط . الذي قد اختلفت فيه الفلاسفة . فما أدرى كيف استجاز لنفسه الاقدام على هذا وهو يعلم أن أناسا كثيرا يخالفونه في ذلك ولست أشك أنه كان يعلم مخالفة أرسطوطاليس له أيضا . . . فأقول : إن طول الاعتياد للشئ يدعو إلى الإلف له والاستنكار لما خالفه : ولولا ذلك لم يكن يذهب مثل هذا الشئ القريب على جالينوس » . « 2 » ولعل الرازي متأثر تأثرا واضحا في هذا الوعي بالأساس المنطقي للحكم العلمي بما ذهب إليه من قبل جابر بن حيان - الذي تنبّه أيضا إلى ما خفى عن إدراك جالينوس « 3 » * * *
--> ( 1 ) الرازي : كتاب الشكوك » ص 3 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 4 . ( 3 ) في نص بالغ الدلالة على هذا الاستباق المنهجي يقول جابر بن حيان : « وما التعلق المأخوذ من جرى العادة فإنه ليس فيه علم يقين واجب اضطراري برهاني أصلا ، بل علم إقناعى يبلغ إلى أن يكون أحرى وأولى وأجدر لا غير ، لكن استعمال الناس له وتقلبّهم فيه واستدلالهم به والعمل في أمورهم عليه أكثر من استعمالهم للعقلين ؟ ؟ ؟ الآخرين ( ويقصد بهما جابر الاستدلال عن طريق المجانسة والآثار ) ، وذلك أنه القياس واستقراء النظائر واستشهادها للأمر المطلوب عليه . وهذا الباب يناصب البرهان ويقابله كثيرا ويدلّ على خلاف ما يدل عليه ، وقوته وضعفه بحسب كثرة النظائر والأمثال المتشابهة وقلتها ، حتى أن قوما قد ظنوا أنه يمكن أن يكون في هذا الباب علم برهاني يقيني ، وذلك إذا لم يوجد في كل ما يسبقه أمر واحد مخالف لما يشهد بأمر ما من الأمور . « وإن أضعف ما يوجد من القياس ما لم يوجد له إلّا مثال واحد . . . وأقوى ما يوجد فيه ما كان جميع ما في الوجود مثاله ولم يوجد فيما قد كان ولا في الشاهد مخالف له . وأما ما بين هذه فقوية وضعيفة في الدلالة بحسب كثرة النظائر وقلتها . وليس في هذا الباب علم يقين واجب . وإنما وقع تعلق واستشهاد بالشاهد على الغائب لما في النفس من الظن والحسبان بأن الأمور ينبغي أن تجرى على نظام ومشابهة ومماثلة . فإنك تجد أكثر الناس يجرون أمورهم على هذا -